سميح دغيم
186
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
المراد من قوله كُنْ فَيَكُونُ ( آل عمران : 59 ) ( هو الإيجاد والإبداع ، وقوله خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ( آل عمران : 59 ) مقدّم عليه ، والشيء المتقدّم على الإيجاد ليس إلّا التقدير فثبت أنّ المراد بقوله خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ( آل عمران : 59 ) هو أنّه قدّره منه ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ( الأعراف : 54 ) فالخلق هو التقدير ، والأمر هو قوله : كُنْ فَيَكُونُ ( آل عمران : 59 ) . والحجّة الثالثة : إنّ الكذب في اللغة يسمّى خلقا ، قال تعالى : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ( العنكبوت : 17 ) . إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ( الشعراء : 137 ) . إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ ( ص : 7 ) والكذب إنّما يسمّى خلقا ، يقدّر في نفسه ذلك الكذب ويضمره فدلّ هذا على أنّ التقدير يسمّى بالخلق . الحجّة الرابعة : قوله لعيسى عليه السلام وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ ( المائدة : 110 ) والمراد التصوير . والتقدير . الحجّة الخامسة : قول الشاعر : ( زهير والبيت من الكامل ) : ولأنت تفري ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفري وأيضا الإسكاف يسمّى خالقا ، لما أنّه يقدّر النعل بقالب مخصوص ، قال : ولا يبسط بأيدي الخالقين ولا * أيدي الخوالق الّا جيّد الأدم فثت بهذه الوجوه أن الخالق جاء في اللغة بمعنى التقدير . ( لو ، 211 ، 5 ) - لنبحث الآن عن التقدير أيضا ما هو ، فنقول : التقدير عبارة عن تكوين الشيء على مقدار معيّن ، ولا بدّ فيه من أمور ثلاثة : أحدها : القدرة المؤثّرة في وجود ذلك الشيء ، ثم إن كانت القدرة بحيث لا يتوقّف تأثيرها في المقدور على آلة ، كما في حق اللّه سبحانه وتعالى كان التقدير هو نفس ذلك التحصيل والتكوين ، وإن كان يتوقّف على آلة مخصوصة كما في حق العبد ، فإنّه لا يمكنه تصوير الجسم المتباين وتشكيله إلّا عند حركات الأصابع ، فهاهنا سمّيت تلك الحركات القائمة بأصابعه تصويرا وتقديرا . والثاني : الإرادة المخصّصة لذلك الشيء بذلك المقدار المعيّن ، دون ما هو أزيد منه وأنقص منه . والثالث : العلم بذلك القدر الخاص ، وذلك لأنّ إرادة الشيء مشروطة بالعلم به ، ثم إن كان الفاعل عالما بكل المعلومات كان غنيّا في حصول ذلك العلم عن الفكرة والرويّة ، كما في حق اللّه سبحانه وتعالى ، وإن لم يكن كذلك لم يحصل له ذلك العلم بذلك المقدار الموافق للمصلحة إلّا بالفكر والرويّة ، فهاهنا قد تسمّى تلك الفكرة والرويّة تقديرا وتخليقا ، ولكنّه على سبيل المجاز ، وذلك لأنّ التقدير عبارة عن إيقاع الشيء على قدر معيّن ، وذلك لا يمكن إلّا بعد العلم بأمرين . أحدهما : العلم بذلك القدر ، والثاني : العلم بكون ذلك القدر الموافق للمصلحة . وهذان العلمان لا يمكن حصولهما إلّا بعد الفكرة ، فكانت الفكرة شرطا لحصول هذا العلم في حق العبد ، وهذا العلم شرط لكون المريد مريدا لإيقاعه على ذلك القدر ، ولكون القادر موجدا له على ذلك القدر ، فكانت الفكرة شرطا لشرط التقدير لا مطلقا ، بل في حق العبد ، فبهذا الطريق سمّيت الفكرة خلقا وتقديرا ، هذا هو